عبد الرحمن بن ناصر السعدي
707
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
موسى وهارون * ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم * ونصرناهم فكانوا هم الغالبون * وآتيناهما الكتاب المستبين * وهديناهما الصراط المستقيم * وتركنا عليهما في الآخرين * سلام على موسى وهارون * إنا كذلك نجزي المحسنين * إنهما من عبادنا المؤمنين ) * يذكر تعالى منته على عبديه ، ورسوليه ، موسى ، وهارون ابني عمران ، بالنبوة والرسالة ، والدعوة إلى الله تعالى ، ونجاتهما وقومهما من عدوهما فرعون ، ونصرهما عليه ، حتى أغرقه الله وهم ينظرون ، وإنزال الله عليهما الكتاب المستبين ، وهو التوراة التي فيها الأحكام ، والمواعظ ، وتفصيل كل شيء ، وأن الله هدهما الصراط المستقيم ، بأن شرع لهما دينا ، ذا أحكام وشرائع مستقيمة ، موصلة إلى الله . ومن عليهما بسلوكه . * ( وإن إلياس لمن المرسلين * إذ قال لقومه ألا تتقون * أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبائكم الأولين * فكذبوه فإنهم لمحضرون * إلا عباد الله المخلصين * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إل ياسين * إنا كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين ) * * ( وتركنا عليهما في الآخرين * سلام على موسى وهارون ) * أي : أبقى عليهما ، ثناء حسنا ، وتحية في الآخرين ، من باب أولى وأحرى في الأولين * ( إنا كذلك نجزي المحسنين * إنهما من عبادنا المؤمنين ) * . يمدح تعالى ، عبده ورسوله ، إلياس عليه الصلاة والسلام ، بالنبوة والرسالة ، والدعوة إلى الله . وأنه أمر قومه بالتقوى ، وعبادة الله وحده ، ونهاهم عن عبادتهم صنما لهم يقال له ( بعل ) وتركهم عبادة الله ، الذي خلق الخلق ، وأحسن خلقهم ، ورباهم فأحسن تربيتهم ، وأدر عليهم النعم الظاهرة والباطنة . وأنكم كيف تركتم عبادة من هذا شأنه ، إلى عبادة صنم ، لا يضر ، ولا ينفع ، ولا يخلق ، ولا يرزق ، بل لا يأكل ولا يتكلم ؟ وهل هذا إلا من أعظم الضلال ، والسفه ، والغي ؟ * ( فكذبوه ) * فيما دعاهم إليه فلم ينقادوا له ، قال الله متوعدا له * ( فإنهم لمحضرون ) * أي : يوم القيامة في العذاب ولم يذكر لهم عقوبة دنيوية . * ( إلا عباد الله المخلصين ) * أي : الذين أخلصهم الله ، ومن عليهم باتباع نبيهم ، فإنهم غير محضرين في العذاب ، وإنما لهم من الله جزيل الثواب . * ( وتركنا عليه ) * أي : إلياس * ( في الآخرين ) * ثناء حسنا . * ( سلام على إلياسين ) * أي : تحية من الله ، ومن عباده عليه . * ( إنا كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين ) * فأثنى الله عليه كما أثنى على إخوانه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . * ( وإن لوطا لمن المرسلين * إذ نجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين * ثم دمرنا الآخرين * وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون ) * وهذا ثناء منه تعالى على عبده ورسوله لوط ، بالنبوة والرسالة ، ودعوته إلى الله قومه ، ونهيهم عن الشرك ، وفعل الفاحشة . فلما لم ينتهوا ، نجاه الله وأهله أجمعين ، فسروا ليلا فنجوا . * ( إلا عجوزا في الغابرين ) * أي : الباقين المعذبين ، وهي زوجة لوط لم تكن على دينه . * ( ثم دمرنا الآخرين ) * بأن قلبنا عليهم ديارهم * ( فجعلنا عاليها سافلها ، وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ) * حتى همدوا وخمدوا . * ( وإنكم لتمرون عليهم ) * أي : على ديار قوم لوط * ( مصبحين * وبالليل ) * أي : في هذه الأوقات ، يكثر ترددكم إليها ومروركم بها ، فلم تقبل الشك والمرية * ( أفلا تعقلون ) * الآيات والعبر ، وتنزجرون عما يوجب الهلاك ؟ * ( وإن يونس لمن المرسلين ) * وهذا ثناء منه تعالى ، على عبده ورسوله ، يونس بن متى ، كما أثنى على إخوانه المرسلين ، بالنبوة والرسالة ، والدعوة إلى الله . * ( إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم * فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون * فنبذناه بالعرآء وهو سقيم * وأنبتنا عليه شجرة من يقطين * وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم إلى حين ) * وذكر تعالى عنه ، أنه عاقبه عقوبة دنيوية ، أنجاه منها ، بسبب إيمانه وأعماله الصالحة ، فقال : * ( إذ أبق ) * أي : من ربه مغاضبا له ظانا أنه لا يقدر عليه ، ويحبسه في بطن الحوت . ولم يذكر الله ما غاضب عليه ، ولا ذنبه الذي ارتكبه ، لعدم فائدتنا بذكره . وإنما فائدتنا بما ذكر لنا عنه ، أنه أذنب ، وعاقبه الله مع كونه من الرسل الكرام ، وأنه نجاه بعد ذلك ، وأزال عنه الملام ، وقيض له ما هو سبب صلاحه . فلما أبق لجأ * ( إلى الفلك المشحون ) * بالركاب والأمتعة ، فلما ركب مع غيره ، والفلك شاحن ، ثقلت السفينة فاحتاجوا إلى إلقاء بعض الركاب ، وأنهم لم يجدوا لأحد مزية في ذلك ، فاقترعوا على أن من قرع وغلب ، ألقي في البحر عدلا من أهل السفينة ، وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه . فلما اقترعوا أصابت القرعة يونس * ( فكان من المدحضين ) * أي : المغلوبين ، فألقي في البحر * ( فالتقمه الحوت وهو ) * وقت التقامه * ( مليم ) * أي : فاعل ما يلام عليه ، وهو مغاضبته لربه . * ( فلولا أنه كان من المسبحين ) * أي : في وقته السابق بكثرة عبادته لربه ، وتسبيحه ، وتحميده ، وفي بطن الحوت حيث قال : * ( لا إله إلا أنت ، سبحانك إني كنت من الظالمين ) * . * ( للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) * أي : لكانت مقبرته ، ولكن بسبب تسبيحه وعبادته لله ، نجاه الله تعالى . وكذلك ينجي الله المؤمنين ، عند وقوعهم في الشدائد . * ( فنبذناه بالعراء ) * بأن : قذفه الحوت من بطنه بالعراء ، وهي الأرض الخالية العارية من كل أحد ، بل ربما كانت عارية من الأشجار والظلال * ( وهو سقيم ) * أي : قد سقم ومرض ، بسبب حبسه في بطن الحوت ، حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة . * ( وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ) * تظله بظلها الظليل ، لأنها باردة الظلال ، ولا يسقط عليها ذباب ، وهذا من لطفه به وبره .